شبح الترحيل والغرامات يتبدد.. كيف أنقذ “التقصير في التحقيق” عشرات العائلات السورية الأرمنية من فقدان اللجوء بالنمسا؟

النمسا ميـديـا – فيينا:

في انتصار قانوني بارز لحقوق اللاجئين في النمسا، أصدرت المحكمة الإدارية الاتحادية (Bundesverwaltungsgericht) في العاصمة فيينا، قرارات حاسمة تبطل محاولات المكتب الاتحادي لشؤون الهجرة واللجوء (BFA) سحب حق اللجوء من عشرات العائلات السورية ذات الأصول الأرمينية. وتعود خلفية هذه القرارات إلى نجاح مكتب المحاماة النمساوي (Dr. KLAMMER) في إثبات وجود “تقصير وإهمال في التحقيق” من قبل السلطات النمساوية نفسها إبان منح اللجوء قبل نحو عشر سنوات، مما ينقذ هؤلاء اللاجئين من شبح الترحيل، والملاحقات الجنائية، والمطالبات المالية الضخمة التي تتجاوز مئات الآلاف من اليوروهات.

خلفية الأزمة وأبعادها الإنسانية والاجتماعية

يمثل مكتب المحاماة (Dr. KLAMMER) حالياً ما يقارب 50 عائلة من السوريين الأرمن الذين يواجهون هذه المعضلة القانونية المعقدة. هؤلاء الأشخاص قدموا إلى النمسا منذ نحو 10 سنوات أو أكثر، وحصلوا على الحماية الدولية (حق اللجوء) بموجب قرارات رسمية قطعية. وقد تمكن العديد منهم من لم شمل عائلاتهم، واندمجوا بشكل إيجابي وفعال في المجتمع النمساوي، وانخرطوا في سوق العمل، وأصبح لديهم أطفال يتلقون تعليمهم في المدارس النمساوية. وبشكل مفاجئ، بدأت السلطات النمساوية ممثلة في الـ (BFA) في إعادة فتح هذه الملفات القديمة بهدف سحب حق اللجوء، وذلك إثر اكتشافها أن هؤلاء اللاجئين يحملون الجنسية الأرمينية إلى جانب جنسيتهم السورية الأصلية.

التبعات القانونية والمالية والجنائية الخطيرة

لا تقتصر هذه الإجراءات الإدارية المفاجئة على مجرد خسارة حق اللجوء والتهديد بالترحيل، بل تتعداها لتشمل ملاحقات قضائية بالغة الخطورة، تتمثل في:

  • اتهامات بالاحتيال الاجتماعي الجنائي: حيث تُوجه للمتضررين تهم الحصول على مساعدات اجتماعية دون وجه حق، أو ما يُعرف بالاحتيال على المساعدات الاجتماعية.
  • مطالبات مالية ضخمة: تُطالب السلطات هؤلاء الأشخاص بإعادة كافة مبالغ المساعدات التي حصلوا عليها كحد أدنى للدعم المالي على مدار السنوات الماضية. وتتراوح هذه المبالغ غالباً بين 150,000 إلى 250,000 يورو، وقد تتجاوز حاجز الـ 200,000 يورو في العديد من الحالات الفردية.
  • عقوبات سالبة للحرية: قد تقود تهم الاحتيال المالي هذه إلى صدور أحكام قضائية بالسجن تصل مدتها إلى 10 سنوات.
  • تدابير إبعاد صارمة: تشمل القرارات الصادرة أيضاً إجراءات الترحيل الفوري وفرض حظر دخول مستقبلي إلى الأراضي النمساوية.

ثغرة “التقصير في التحقيق”: كيف أبطل (Dr. KLAMMER) قرارات (BFA)؟

استندت استراتيجية الدفاع الناجحة التي اعتمدها مكتب (Dr. KLAMMER) أمام المحكمة الإدارية الاتحادية في فيينا، إلى إثبات خطأ إجراءات التحقيق والتقصير من جانب السلطات النمساوية وقت منح اللجوء، وذلك عبر النقاط التالية:

  • علم السلطات المسبق بازدواجية الجنسية: دخل غالبية هؤلاء الأشخاص إلى الأراضي النمساوية باستخدام جوازات سفر أرمينية. وقبل دخولهم، قامت شركات الطيران بتقديم بيانات جوازات سفرهم الأرمينية مباشرة إلى الشرطة النمساوية. هذه البيانات موثقة بوضوح تام في ملفات القضية القديمة وتتضمن أرقام جوازات السفر الأرمينية بشكل صريح.
  • المنح عن قصد ووعي: هذا يبرهن على أن المكتب الاتحادي والشرطة كانوا على دراية تامة بوجود الجنسية الأرمينية المزدوجة منذ اللحظة الأولى، ومع ذلك منحوا هؤلاء الأشخاص حق اللجوء عن وعي وقصد، بهدف مساعدتهم باعتبارهم أقلية مضطهدة فارة من الحرب في سوريا.
  • انتفاء “الحقائق الجديدة” (Reopening Threshold): من الناحية القانونية الصرفة، لا يحق للسلطات إعادة فتح قضية لجوء مغلقة وحاصلة على الدرجة القطعية إلا في حال ظهور “حقائق جديدة” لم تكن معلومة، ولم يكن بالإمكان معرفتها وقت صدور القرار الأصلي. وبما أن أدلة امتلاك الجنسية الأرمينية كانت متوفرة بالفعل بين طيات الملفات، أو كان بإمكان السلطات على أقل تقدير الاستفسار عنها من السفارة الأرمينية للتحقق منها في حينها، فإن قرار إعادة فتح الملف يُعد إجراءً غير قانوني.
  • مسؤولية الخطأ الإجرائي: تبنى القضاة في فيينا وجهة نظر الدفاع، معتبرين أن تقاعس المكتب الاتحادي عن تتبع هذه الأدلة الواضحة في حينها يمثل خطأً صريحاً في إجراءات التحقيق وتقصي الحقائق ارتكبته السلطة النمساوية ذاتها (Sorgfaltswidrigkeit der Behörde)، وبالتالي لا يجوز قانوناً تحميل اللاجئ وزر وتكلفة هذا التقصير الإداري. وبناءً على هذه الحجة المتماسكة، كسب المكتب العديد من القضايا في فيينا وأبطل قرارات سحب اللجوء.

التباين الإقليمي في استراتيجيات الدفاع (فيينا ضد لينز)

ينبه مكتب المحاماة إلى وجود اختلاف جوهري في كيفية التعاطي القانوني والقضائي مع هذه القضايا بين العاصمة فيينا ومدينة لينز:

  • في فيينا: يميل القضاة إلى القبول التام للحجة القانونية المتعلقة بأخطاء التحقيق السابقة للمكتب الاتحادي، ومواجهة التقصير الإداري المباشر للسلطة.
  • في لينز: يرى القضاة الأمر بمنظور مختلف تماماً؛ حيث تتضاءل فرص كسب القضية بشكل كبير إذا أصر الشخص على عدم الاعتراف بتقديم معلومات غير صحيحة. لذلك، تعتمد الاستراتيجية الدفاعية الناجحة في لينز على عدم مهاجمة المكتب الاتحادي أو التركيز على أخطائه السابقة، بل تتمحور حول إبداء الندم، وتأكيد الرغبة الصادقة في البقاء كعنصر فاعل ومندمج في المجتمع النمساوي، وهي استراتيجية أثبتت نجاحها أيضاً في كسب القضايا هناك.

دور المحامية المصرية نيفين سويروس والتوضيحات العملية للمتضررين

تقدم المستشارة القانونية والمحامية المصرية نيفين سويروس، المتحدثة باللغة العربية باسم مكتب (Dr. KLAMMER)، إيضاحات وتوصيات عملية مصيرية للجالية السورية الأرمنية المتضررة:

  • الدوافع الحقيقية وراء جواز السفر الأرميني: توضح المحامية أن قطاعاً واسعاً من المتضررين لم يسبق لهم زيارة أرمينيا طوال حياتهم ولا يمتلكون أي ارتباط فعلي بها، وإنما اضطروا قسراً للحصول على جواز السفر الأرميني كسبيل وحيد وملاذ أخير للخروج من وطأة الحرب المستعرة في سوريا والوصول بأمان إلى النمسا لتقديم طلب اللجوء.
  • ضرورة الفحص الفردي الدقيق للملفات: تشدد على خطورة اتخاذ أي خطوات عشوائية؛ حيث يتطلب الأمر مراجعة قانونية دقيقة لكل ملف على حدة لفهم طبيعة الوثائق المودعة فيه منذ سنوات، ومقارنتها بالقضايا والسوابق المماثلة، ومن ثم صياغة الاستراتيجية الدفاعية الملائمة بدقة لكل حالة، وبناءً على توجهات القاضي المختص.
  • التحذير من التهاون: تنصح المحامية بقوة بضرورة التوجه الفوري للحصول على الاستشارة القانونية المتخصصة بمجرد استلام أي إخطار رسمي يخص سحب الإقامة أو اللجوء، وذلك لضمان تفادي التبعات الجنائية والمالية الكارثية.

تفاصيل وقائع قضية فعلية: الوصول والتقدم بطلب اللجوء

تُعد الوقائع المعروضة مؤخراً أمام المحكمة الإدارية الاتحادية (Bundesverwaltungsgericht) تجسيداً عملياً لهذه الإجراءات المعقدة؛ حيث وصل صاحب الطلب، وهو من القومية الأرمينية ويحمل الجنسية السورية ويعتنق الديانة المسيحية ويتحدث اللغة العربية كعربيته الأم، إلى النمسا عبر رحلة جوية، مستخدماً جواز سفر صادراً عن جمهورية أرمينيا برقم خاص وصالح حتى تاريخ محدد. وفور وصوله، تقدم بطلب للحصول على الحماية الدولية، حيث تم حينها ضبط مستندات سورية رسمية بحوزته شملت رخصة قيادة سورية، وبطاقة شخصية سورية، ودفتر خدمة العلم السوري، إضافة إلى وثيقة إنهاء الخدمة العسكرية في سوريا.

بيانات الطيران والتحقيقات الأولية لدى الشرطة

عقب وصوله مباشرة، قامت مديرية شرطة المقاطعة (Landespolizeidirektion) بإجراء فحص واستخراج بيانات قوائم ركاب الرحلة الجوية، وأرسلت مستخرج هذه البيانات رسمياً إلى شرطة الأجانب (Fremdenpolizei). وقد أظهرت قوائم الطيران بوضوح لا لبس فيه أن المعني دخل البلاد بصفته يحمل الجنسية الأرمينية، وهو ما كان مثبتاً بموجب جواز سفر أرميني. وفي جلسة الاستماع الأولى (Erstbefragung)، صرح المعني بأنه يحمل الجنسية السورية وكان يمتلك جواز سفر سورياً، مشيراً إلى أنه غادر سوريا باستخدام “جواز سفر آخر وفرته له جهة تهريب”، وأن المهرب قام بسحب الجوازين منه داخل الطائرة.

منح حق اللجوء وسهو السلطات عن التحقيق

على الرغم من توفر بيانات الطيران وتقرير الشرطة الأولية لدى المكتب الاتحادي للهجرة واللجوء (BFA) منذ اليوم الأول للطلب، عقد المكتب جلسة استماع استغرقت نحو ساعة ونصف دون أن يوجه أي سؤال للمتقدم حول جواز السفر الأرميني أو سبب إدراجه في بيانات الطيران كمواطن يحمل الجنسية الأرمينية. وبناءً عليه، أصدر الـ (BFA) قراراً رسمياً أقر فيه بمنح المتقدم صفة اللاجئ وحق اللجوء بصفته يحمل الجنسية السورية فقط، واكتسب هذا القرار الحجية القانونية والدرجة القطعية.

السفر إلى أرمينيا واستصدار تقرير الخبراء

في الأعوام 2022 و2023 و2024، قام الحاصل على اللجوء بالسفر إلى أرمينيا باستخدام وثيقة سفر أجنبية (Konventionsreisepass) صادرة عن السلطات النمساوية، وعقد قرانه هناك في عام 2024. ونتيجة لعلم الـ (BFA) بتحركاته وسفره المتكرر، كلف المكتب خبيراً متخصصاً لإعداد تقرير فني (Sachverständigengutachten) للتحقق من جنسيته الأرمينية. وجاء تقرير الخبير ليؤكد “بما لا يدع مجالاً للشك” أنه يحمل الجنسية الأرمينية ويمتلك جواز سفر أرمينياً صحيحاً وصالحاً صادر عن السلطات الأرمينية.

قرار (BFA) بإعادة فتح الملف والتحجج بالاحتيال

بناءً على تقرير الخبير، أصدر الـ (BFA) قراراً بإعادة فتح إجراءات اللجوء تلقائياً من تلقاء نفسه استناداً إلى المادة 69 الفقرة 1 البند 1 بالاقتران مع الفقرة 3 من قانون الإجراءات الإدارية العام (AVG)، معتبراً أن المتقدم قد أخفى جنسيته الأرمينية وجواز سفره الأرميني للحصول على قرار اللجوء عن طريق الخداع والاحتيال (Erschleichen).

الطعن أمام المحكمة الإدارية الاتحادية وحيثيات الحكم

تقدم المعني بطعن قانوني ضد قرار الـ (BFA) عبر ممثله القانوني المحامي (Dr. Gregor KLAMMER) في مقره بفيينا (Goldschmiedgasse 6/6-8). وأجرت المحكمة الإدارية الاتحادية (Bundesverwaltungsgericht) برئاسة القاضي (Dr. NEUBAUER) جلسة شفهية علنية بحضور مترجم للغة العربية، في حين غاب ممثل الـ (BFA) عن الجلسة دون تقديم أي اعتذار.

وفندت المحكمة الإدارية في حكمها ادعاءات الـ (BFA)، مؤكدة أن شرط “الاحتيال أو الخداع” وفقاً للمادة 69 الفقرة 1 البند 1 من قانون (AVG) ينتفي تماماً إذا كانت السلطة قد قصرت في أداء واجبها الاستقصائي وفشلت في اكتشاف عدم صحة أو نقص البيانات رغم إمكانية ذلك بسهولة دون تكبد مشقة غير متناسبة. وأوضحت المحكمة أن الـ (BFA) كان يعلم ببيانات الطيران وجواز السفر الأرميني وبتقرير الاستماع الأول منذ البداية، لكنه أهمل استجلاء هذه الفروقات والتحقيق فيها بسبب “عدم مراعاة واجبي العناية والحرص” (Sorgfaltswidrigkeit der Behörde). وبناءً عليه، حكمت المحكمة بقبول الطعن وإلغاء قرار الـ (BFA) بإعادة فتح الملف بشكل كامل ودون بديل (ersatzlos behoben)، مع عدم جواز رفع دعوى المراجعة (Revision) أمام المحكمة الإدارية العليا وفقاً للمادة 133 الفقرة 4 من الدستور (B-VG).

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى